كانت المحادثات مع تالا التي حملت اسم رسائل إليها، وركزت على فنّها، ومصادر الإلهام والدوافع الكامنة وراء أعمالها، ضرورية للبحث المُقدّم. تحدثنا سوياً عن البحث عن الطفل داخلنا والعلاقات المعقدة التي تربط الأم بطفلها. طرحنا أسئلةً تبحثُ عن الحنان المنزلي… أينَ المنزل؟ ما المنزل؟ ساءَلنا هوياتنا وكيفية معاودة الاتصال بجميع نُسخنا السابقة في حالٍ يقضي بتطورنا المستمر بوصفنا أشخاصًا.
كشف لي فن تالا، بطبيعته الأولية ومقاساتهِ الكبيرة، عن نهج ٍمحكمٍ للشفاء. عادت تالا، بعد استكشافها لوسائطَ وموضوعاتٍ مختلفة، إلى نقطة البداية. مثّلت البطاقات والرسائل التي صنعتها تالا لأمها، حين شرعت يداها الصغيرتان للتو بتعلم كيفيّة إمساك الورقة والقلم، مرجعها المادي لمجموعة الأعمال هذه. هاته اللوحات ملأى بالحب والخوف والرضى.
حال استفساري عن مفاهيم الأمومة والمنزل والذات والطفل داخلنا، وجدت أجوبتي في التصورات المعنيّة بالرحم. كنت مُنجذبةً على وجه خاص إلى الرحم نظرًا لكونه، في اللغة العربية، مشتقّ من كلمة الرحمة. لغويًّا، نستخدم في العربية كلمة "أم" للتأكيد على المنزل أو الأصل. على سبيل المثال، نقول "اللغة الأم" عوضًا عن اللغة الأولى، أو "الوطن الأم". الطريقة التي أرى بها الأمور، في جوهرها، تعتبر الرَحِمْ الوطن الحقيقي الوحيد. إنّه أكثر الأماكن أمانًا. النسخة "الأحقّ" من أنفسنا تتشكل في الرحم. ومع ذلك، وبصورة متناقضة، فإنّها تربط كينونتنا بأمهاتنا.
١+١=١
بعد ولادتنا، تتشكل هوية وعلاقة جديدة مع أمهاتنا. لم نعد كيانًا واحدًا. قد تمثّل علاقاتنا مع أمهاتنا مصدر سعادتنا الأعظم وأكثر الأوجاع جلبًا للحزن. يمكن بإمكانها أن تكون مضطربة وهادئة، مألوفة وغريبة. شعرتُ بعد وفاة أمي، بصورة غريبة، أنني وُلدت من جديد. خلق الألم الناجم عن فقدانها سارة جديدة. تبدّلَ عالمي. وكانت رحلةً طويلة تلك التي حاولت خلالها استبدال حب الأم بحب الذات. كان علي، بعدما غابت قدرتي على العثور على الراحة في حضنها، أن أتعلم طرقًا لِحبّ الذاتْ، وبشكل أساسي أن "أشفي" الطفل في داخلي.
مثّلَ كتاب كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها لإيمان مرسال مرجعًا عُدتُ له خلال عملي البحثي. ملاحظة جانبية: أردت قراءة الكتاب قبل ذلك لكنّني لم أكن جاهزة تمامًا قطّ. ، كنتُ اخشى الإقتراب من الموضوع حين تواصل معي فريق مَماغ بفكرة سرديات . كانت لدي تحفظاتي. شعرت بذلك النتوء المألوف في حلقي. توفيت أمّي عام ٢٠١٧ حين كنت في الـ٢٠ من عمري، ومنذ وفاتها، باتت فكرةُ المنزل غريبة.
آخِرًا، رغم أنكم قد لا ترون تصاوير واضحةً له، لا يمكنني الحديث عن أمّي، ريم، دون المجيء على ذكر أبي، عبد الله. أصبح أبي (الله يخليلي ياه) أمي. كرس حياتهُ، كما فعلت أمي من قبل، لأبنائه وبناته. لقد تُركَ مع ثلاثة منهم وتمكن من طهي ثلاث وجبات في اليوم، وجاء على ١٢ حمولة غسيل أسبوعيّة، وباقي الأعمال المنزلية التي تصاحب العناية بمنزل. إنه كما الجبل. الصفاء الذي وجدته مع أبي كان الجانب المشرق لفقدان أمّي.